يشهد العراق أزمة بيئية وإنسانية غير مسبوقة جراء تصاعد آثار الجفاف وشح المياه في أنهار البلاد ومسطحاتها، ما أدى إلى جفاف مساحات واسعة من الأرض في مشهد مؤلم ينذر بكارثة. باتت آلاف الأسر العراقية، التي تعتمد على الزراعة والصيد والتنوع الحيوي، في خطر وجودي بسبب هذا التراجع الهائل.
الجفاف في الأهوار
تقف أهوار العراق، وفي مقدمتها هور الدلمج الممتد بين محافظتي واسط والديوانية، شاهدة على أقسى فصول الجفاف في التاريخ الحديث.
- التحول البيئي: تحولت المساحات الخضراء المعجّلة بالحياة إلى أرض متشققة تصرخ في صمت.
- نزوح الرزق: كشفت مشاهد التُقطت بطائرات مسيرة في نهاية أكتوبر عن غياب الطيور المهاجرة ونفوق الأسماك، مما أدى إلى فقدان سبل العيش التقليدية.
- شهادات مريرة: يقول أحد الصيادين بمرارة: “الطير ما عاد ينزل، والماء صار صحراء”، مما يلخص المصير الذي واجهته الطبيعة وسكانها.
- التبعات الاجتماعية: بدأ النزوح الصامت، حيث أغلقت بيوت الطين ونزح أصحابها إلى المدن بحثاً عن مصادر رزق جديدة.
الشِباك الخاوية: انهيار الثروة السمكية
لم يعد نهر الرافدين يغذي الشباك والقرى التي اعتمدت عليه، حيث انحسر الماء وهاجر الرزق، مما أثر بشكل عميق على البنية الاقتصادية والاجتماعية:
- تدهور الموارد: تراجعت الثروة السمكية في مناطق عدة، بما فيها بغداد، الناصرية، والعمارة، مما أدى إلى اختفاء أنواع محلية نادرة كانت جزءاً أساسياً من المائدة العراقية.
- البطالة في الريف: ارتفعت معدلات البطالة في المناطق الريفية التي كان الصيد فيها يمثل شريان حياة لقرى بأكملها.
تحذيرات وجودية ونداء إقليمي عاجل
حذر وزير البيئة، هه لو العسكري، من أن ما يعيشه العراق لم يعد مجرد تراجع موسمي، بل تحدٍ وجودي يهدد حاضره ومستقبله.
- المطالبة الإقليمية: أكد العسكري أن مواجهة هذا الواقع تتطلب اصطفافاً عربياً قبل مؤتمر المناخ “كوب 30” للدفاع عن العدالة المناخية وحقوق الدول النامية، مشدداً على أن الأمن المائي والغذائي والبيئي أصبح أولوية لا تحتمل التأجيل.
- التهديد البشري: تُظهر تقارير الأمم المتحدة أن العراق من أكثر دول الشرق الأوسط تأثراً بالتصحر. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 7 ملايين مواطن عراقي قد يفقدون مصادر رزقهم بحلول عام 2030 إذا لم تُتخذ خطوات جادة لإدارة المياه وتعزيز التعاون مع دول المنابع.
إن الخروج من هذه الدائرة يتطلب رؤية شاملة تقوم على تحديث البنية المائية، وتنظيم الاستخدام، وتطوير تقنيات الري، وإجراء حوار حقيقي مع دول الجوار حول الحصص المائية، وإلا فقد يخسر العراق أحد أهم ركائز وجوده الطبيعي.

